محمد سعيد رمضان البوطي

302

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

سياسته أيام خلافته ، يكتبون الصفحات الطوال عما يسمونه بمظهر الضعف أو التحيز في سياسته ، مقتفين في ذلك ما يطيب للمستشرقين القيام به من إمطار التاريخ الإسلامي بوابل النقد والكذب والتضليل تحقيقا لغاية مرسومة معروفة يتطلعون إليها ويغذون السير للوصول إليها . إن هؤلاء الذين يضعون أنفسهم في أبراج عالية من النزاهة النادرة ، لينطقوا من هناك بأحكامهم على عثمان وسياسته ، هم أحوج ما يكونون إلى أن يتحسسوا أمراضهم المختلفة ثم يداووها بدراسة شيء من مناقب هذا الخليفة العظيم والاهتداء بسيرته وسلوكه . ومهما يكن من شأن عثمان في خلافته ، فأي بقية من الأدب توجد عند من يسمع كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم » ، ثم يمضي بعد ذلك منتشيا بنقده وتسفيه سياسته ؟ ! . 2 - ( كلمة عن حديث أبي بكر وما اختلقه البعض من زيادة فيه ، ليسوغوا بها بدعة من أهم البدع المحرمة ) . ذكرنا الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود ، عن تقديم أبي بكر ماله كله للرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وأنه أجابه عليه الصلاة والسلام حينما سأله ، ما أبقيت لأهلك : « أبقيت لهم اللّه ورسوله » . وقد اختلق بعضهم زيادة على الحديث : أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له : « يا أبا بكر إن اللّه راض عنك فهل أنت راض عنه ؟ . فاستفزّه السرور والوجد ، وقام يرقص أمام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قائلا : كيف لا أرضى عن اللّه ؟ ! » . . ثم ذهبوا يجعلون من هذه الزيادة المختلقة دليلا على مشروعية الرقص والدوران في حلق الذكر على نحو ما يفعل ( المولوية ) وطوائف أخرى من المتصوفة . فأما الدليل الذي يستندون إليه ، فهو دليل مختلق كما ذكرت ، ولم يثبت في حديث صحيح ولا ضعيف أن أبا بكر قام بفعل ذلك بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، كل ما ورد في الأمر هو ما ذكرته من نص حديث الترمذي والحاكم وأبي داود ، على ما فيه من احتمالات الضعف التي بينتها في تخريج الحديث . وأما المدلول ، فلا نقول : إنه لم يثبت دليل عليه ، بل الحق الذي ينبغي أن يقال : إن الدليل قد ثبت على حرمته . وإليك بيان ذلك . ذهب الجمهور إلى أن الرقص محرم ، إن كان مع التثني ، واتفقوا على أنه مكروه إن كان بدون ذلك ، فإدخال الرقص - مهما كانت كيفيته - في ذكر اللّه تعالى ، إقحام لما هو مكروه أو محرم في عبادة مشروعة ، وتحويل له بذلك إلى عبادة يتقرب بها إلى اللّه دون دليل عليها ، أو على أنها قد خرجت عن الكراهة أو التحريم .